مراكز البحث والمخاض الصعب

تعد مراكز الدراسات والبحوث إحدى الظواهر المهمة في تفوق الغرب على بلدان العالم العربي والإسلامي، وهي لا تنحصر في المراكز المستقلة بل هناك مراكز تابعة لهيئات ومؤسسات رسمية وغير رسمية وفي كافة المجالات…. وسواء كانت مراكز على أرض البلد المنشأ أو خارج حدوده مع تبعيتها له.

بداية ما هي مراكز المعلومات أو مراكز الدراسات والبحوث بمصطلح أعم ؟!

لا يوجد حتى الآن اتفاق واضح لهذا الإصطلاح نظراً لاختلاف وظائف هذه المراكز وتكوينها وأنشطتها والقوانين المتباينة المنظمة لهذه المراكز في دول العالم.

لكن من المؤكد أن المقصود من هذه المراكز هي تلك الهيئات التي تُعنى بسبر الماضي واستقراء الحاضر بغية استشراف المستقبل، وبالتالي فهي تقوم بعدة وظائف هي:

1- معلوماتياً تقوم هذه المراكز – كما هو المفترض – برصد وجمع وتوثيق وحفظ كافة المعلومات المعنية لها، مع تصنيفها وفهرستها وتسهيل نظام استرجاعها وتقديمها للباحثين والمطلعين.

2- دراسياً يفترض أيضاً أن تقوم هذه المراكز بتحليل هذه المعلومات والبيانات والربط فيما بينها وتفسير الظواهر المختلفة فيها واستكشاف قواعد ونظم تبنى عليها التنبؤات المستقبلية.

3- بحثياً تلتزم المراكز بتوفير مراجع ومصادر المعرفة والمعلومات لكل راغب بالبحث والإطلاع مع توفير قنوات للتبادل المعرفي وصور متنوعة من أوعية المعلومات المرئية والسمعية والمقروءة.

4-إعلامياً وكنتاج طبيعي لما سبق، على المراكز أن توافي المهتمين والجماهير المعنية بما يتوفر لديها من معلومات مع تقديم توصيات أو اقتراح حلول وبدائل أو وضع خطط وسياسات مقترحة.

ويجب أن تقوم هذه المراكز وفق شروط عامة أهمها:

1- السند القانوني:

وهي مجمل التشريعات التي تنظم مهنة هذه المراكز فضلاً عن أنها تعطي لها الصلاحيات الكفيلة بتحقيق أهدافها والوصول إلى غاياتها، كما أنها من الضروري أن تتضمن رؤية واضحة بخصوص القضايا المعلوماتية والإعلامية.. وكثير منها مسائل شائكة وعالقة في الوطن العربي والإسلامي.

ومن الأمثلة في ذلك ما يلي:

· حق الحصول على المعلومات.. أو حق المعرفة.
· حق تبادل المعلومات ونشرها.
· حق الملكية الفكرية.
· حق مزاولة الأنشطة الإعلامية والنشر.

2- توفر المعلومات وقنوات الحصول عليها وتبادلها:

لوضع أو لآخر قد لا تتوفر المعلومات.. وهذا أمر استثنائي.. لكنه قاعدة مطردة في أي بلد عربي أو إسلامي.

وبدءاً من المؤسسات الرسمية كوزارات وهيئات وانتهاءً بالمنظمات المدنية، لا تتوفر المعلومات الميدانية والإحصائيات والبيانات والدراسات والأبحاث والتقارير بشكل جيد، ولا تخضع إلى نظام حفظ واسترجاع سريع وميسر ولا تتنوع أشكال أوعيتها.. فهي في الغالب أوراق بدائية!!.

3- التخصص:

إن طبيعة هذا الكون بمفرداته هي التخصص، ومن التخصص يحدث التكامل وتتشكل الشمولية في إطار العلاقات المتبادلة.

وهذا ما يحدث في الدول الغربية في مجال الدراسات والبحوث فلكل مركز وجهته، ولكل إدارة فيه أو قسم تخصصه ولكل تخصص مختصيه من أهل المعرفة والخبرة.

في ظل هذا التكامل تحدث الإنتاجية السليمة والفاعلية المؤثرة والبنائية المتسعة، أي أن التخصص ضرورة ملحة في ظروف عصرية تشهد ثورة متفجرة ومدَّاً طاغياً من العلوم والمعارف والمعلومات، وهو نقطة البدء من كل مركز دراسات.

4- الكفاءات المتخصصة:

يعاني العالمين العربي والإسلامي من تدهور أوضاع التعليم, لا من حيث المخرجات فحسب بل ومن حيث المناهج والطرق والوسائل والسياسات والخطط التعليمية جمعاء.
حتى في أفضل الأحوال – أي عند وجود الكفاءات المتخصصة – فإنها في الغالب تكون قد تلقت تعليمها في الخارج وبالتالي فهي تواجه عدة مشاكل:

· بعد الواقع العملي عن النظريات والمناهج المدرسة.
· فقدان الإمكانيات والوسائل.
· التخلف الفكري المبني على التقاليد الاجتماعية المتوارثة خطأً أو المبني على أسس قانونية عصرية!!
· الإغراءات الخارجية والمنفرات الداخلية.
· كما أنها قد تكون في أحيان كثيرة قد تأثرت بالثقافة الأجنبية مع إضمحلال شديد في الثقافة المحلية، مما يفقدها الارتباط ببيئتها ومحيطها الأصلي.
· وقد تتعرض غالباً إلى إجهاد كبير نظراً لتعدد الحاجات إليها.
إن الكفاءة المختصة في مجالها مكسب عظيم للجهة ذات الاختصاص، وإذا غاب المختصون في أي مجتمع عمل كل فرد كل شيء ولن يربح أياً منهم أي شيء.

5- العلاقات الواسعة:

المجتمع هو مجموعة من العلاقات بين أفراد متعددة، في أحد جوانبه. أي أنه لا يقوم بدون هذه العلاقات على مختلف مستوياتها التنظيمية والفكرية والعاطفية والاجتماعية والاقتصادية، وفي ظل هذه العلاقات تتدفق المعارف والأخبار والتجارب والرؤى. فهي عمدة الاتصال كما يشير إلى ذلك علماء الإعلام وخبراء علم الاجتماع.

وعندما نرغب في نقل المعلومات والحقائق والأفكار إلى أكبر قدر من أفراد المجتمع لا بد أن نشكل شبكة واسعة من العلاقات حتى نعبر من خلالها إلى الآخرين.

إن المجتمعات الغربية تتعامل في جانب العلاقات بناءً على المصالح ومدى تحققيها للأهداف الذاتية والمصلحة الجمعية (هذا في الغالب) وبالتالي فهي تتعاطى مع آلات الاتصال بشكل كبير جداً .. إلى حد الإدمان المفرط.

ومراكز الدراسات والبحوث هناك، بإمكانها دراسة الظواهر المرغوب البحث فيها أو أن تنقل رأياً عاماً أو تبث رسالة إعلامية إلى جمهور عريض جداً. ولا تشكل حواجز الانتماءات لها أي عائق عند إجراء دراسات ميدانية أو استقصاء حقائق واقعية أو جمع معلومات وبيانات معينة.

قارن هذا بوضعنا الاجتماعي المفكك والقطيعة في العلاقات وغياب التواصل المستمر في المجال المعرفي والخبراتي والانطوائية الصامتة التي ترى الحديث عن الحقائق والمعلومات والإحصائيات والبيانات كعورة يجب أن لا يطلع عليها حفاظاً على (الكمالية) المزعومة.

إن قطاعاً لا يستهان به من الشعوب لا تستجيب لنداءات الدولة في إجراء التعداد السكاني كظاهرة مشتركة، دعك عن قيام مركز ما بالإستفتاء حول مسألة يُختلف عليها على أربعين قولاً كل يتوجس فيه أنه من الطرف الآخر..!! هذا إذا لم ينظر إليك كنظره إلى استفتاءات الأنظمة المزورة مع سبق الإصرار والترصد.

6- الإمكانيات المالية والمادية:

قلة هم أولئك الذين يحملون العاطفة والرحمة في ثناياهم فيندفعون ذاتياً إلى إطعام جائع أو كسوة عاري أو إغاثة ملهوف أو نجدة مكروب أو إعانة عائل، وأقلُّ منهم الذين يحملون عاطفة ورحمة أخرى ومن نوع أرقى وأهم، ويندفعون إلى تعليم جاهل أو إرشاد عقل أو هداية فكر أو نشر معرفة أو إكساب خبرة، وقديماً قال الصينيون: علمني الصيد ولا تتصدق عليَّ بسمكة.

إن المنظمات الإغاثية في الجانب الاجتماعي تجد صدىً وتجاوباً كبيراً من الدول الغربية لكنه لا يصل إلى مستوى التجاوب والصدى مع مراكز الدراسات والبحوث والمعلومات هناك، فالأخيرة يصرف عليها مليارات المبالغ من الميزانيات والإعانات الثابتة.
في حين أن مراكزنا في الوطن العربي والإسلامي لا تجد من الإمكانيات ما تتنفس به إلا قليلاً من منٍّ يتبعه أذىً، ولا حاجة هنا للتفصيل!! ولولا بقية من أهل النخوة العلمية والشهامة الأدبية لما قام لها اسم أو بقى لها رسم.

من جميع ما سبق نخلص إلى أن مراكز الدراسات والبحوث والمعلومات في الوطن العربي والإسلامي تعاني من جملة من المشاكل وتواجه عدداً من التحديات، منها على سبيل التلخيص:

· عدم توفر القناعة بأهميتها في الأوساط العربية والإسلامية.
· التكاليف الباهضة مالياً ومادياً لإنشائها بصورة تلائم العصر الحديث.
· قلة الكفاءات وضعف الخبرات.
· فقدان السند القانوني أو عدم وضوحه.
· الشحة في المعلوماتية أو فقدان مصداقيتها.
· غياب حرية التعبير الهادفة.
· انعدام أو ضعف الاتصال والتنسيق بين هذه المراكز عموماً.
· إهمال صناع القرار والمعنيين بتوصياتها بما تقدمه هذه المراكز من دراسات ونتائج واقتراحات.
· غياب مناهج وأساليب للبحوث الميدانية تلائم ظروف التخلف التقني والاجتماعي في بلداننا.

هذه بالتأكيد غيض من فيض وقطرة من بحر، وما زالت الأمور في بدايتها الأولى والمنتظر كفيلة الأيام بإظهاره!!.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: