بذل مجهود كبير في البحث بلا جدوى

لم أكُن يوماً أكثرَ منْ كُتلةِ حُزنٍ اختارَتْها الوحدة لتُهدهِدَ وحشتَها!
لم أكُن أكثرَ منْ غائبٍة فشلت كلّ محاولاتِها في التّفاوض معَ العودة..
فأتْقنت أبجديةَ الرَّحيل والحنين.. إلى الأبد!
.
.

حينَ تسكُنك الأماكِن أكثرَ ممّا يجِب؛ فذاكَ مؤشِّر على أنَّ علاقتك بالرَّحيل لَنْ تظلَّ على ما يرام..
فكُلَّما “رحلتَ” عن مكانٍ منحته في المقابِل جزءاً منْك كعربونٍ على عودةٍ أكيدة،
مُتناسياً أنَّك كائنٌ يحفظُ قواميسَ من الخيبة ببراعةٍ ويعجزُ في المقابِل عن حفظِ معالِم الطّريق!
تُودِع قطعاً من قلبِك على عتباتِ كلِّ تلْك الأماكِن..
لا تريدُ أنْ تفكِّر في ذاكَ اليوم القريب، الذي تودُّ فيهِ الرَّحيل بكلِّ قواك..
فلا تجدُ منْك شيئاً – و لَوْ قطعةً من ظلِّ – تتركُها..
فلا تستطيعُ الرَّحيل، لا تقوَ على الرَّحيل
وأنتَ – وا أسفي – إنسانٌ يتنفسُّ الرَّحيل!
.
لقدمِي و الطَّريق حكاياتُ حبٌّ لا تنتِهي!
فكلُّ خطوةٍ حكاية.. وحكايا خطواتي لا تنتَهي!
قادتني قدمي كثيراً إلى طريقٍ محفوفٍ بـ “الهرُوب”
جرَّبتُ يوماً أنْ أهربَ من الحُزن.. فوَجدتُه في زيٍّ مهيب بانتظاري كـ أوَّل المرَّحبين!
من وقتِها وأنا أؤمِن بأنَّ الهروب هُو الآخر كذبة.. كأيِّ شيءٍ على هذهِ الأرض!
.
مُرهقةٌ هي التَّفاصيل.. مُضمّخّة بالأرق تلك الأرواحُ التِّي تعيشُ بها وعليها!
كنتُ أتمنَّى أنْ أجِد نفسي يوماً بـ ذاكرةٍ شبيهة بتلك التِّي يحملُ سائق التَّاكسي..
لا يسمَحُ لكَ بأكثرَ من رُتبة “عابِر” مهما بلغتَ من الخداع عتيّا..
فما إنْ تصِل إلى وجهتِك وَتُقفل الباب حتَّى يمسَح تماماً صُورتَك من ذاكرتِه!
مليئةٌ هي ذاكراتهم بالثُّقوب، تنسلُّ منْها كلُّ الأوجهِ و الأقنعة!
لا تُتعِبْهُم بوزنٍ ثقيل وأرشيفٍ ضخم من الملامِح المُدبَّبة!
.
حينَ سألتُكَ عنْ تذكاري أجَبْتَ بأنَّه سقطَ سهواً..
حينَ عاتبتُك على تأخُّرِك حدّ الاحتضار في القُدوم أجبْتَ أنَّك نسيتَ سهواً!
كُلُّهم يجرحُون عن غير قصد..
جميعُهم يملؤونَك بالعهُود والأماني الكاذبة عن غير قصد
وكلُّهم يرحلُون عنْ غير قصد!
للهِ أنْتَ أيُّها “القصدُ” كم من قلبٍ فدغت وكم من روح شرَّدت!
.
.
منذ تلويحةِ وداعك الأخيرة تلْك..
وأنا أعيشُ داخِل سجنٍ نمَت بأركانه أشجارَ الشَّوق التِّي أتعهّدها بالدُّموع كلَّ يوم!
يُمسِك قلبي كلَّ ليلةٍ بـ قضبانِ الحنين مستجدياً النُّجومَ في أنْ توصِل إليْك – في ذاكَ الطَّرفِ الآخر من الوجَع – السَّلام..
فتكتفي القضبان بامتصاص الدَّمِ المتخثَّر على جنباتٍ القلب لتنتِجَ منْه ضجيجاً يملأ الغرفةَ وحشةً أكثر!
وأكتفي بضمّ صورتِك في خضّمِ كلِّ هذا الصَّقيع.. لأنام كـ طفلةٍ أنهكها التَّعب!
.
حينَ ستموت..
لَنْ يبقَ منْك غير “الاسم” يكرِّرونه مالحاً في مجالس العزاء..
يذرفُون دميعاتٍ كلَّما التقوا شخصاً يحملُ نفسَ “اسمك” مردِّدين العبارات ذاتها..
قبْل أنْ يمسحُوها بأوراقِك التِّي كنتَ قد تركتها مكدّسةً على مكتبِك..
ثمّ يكمِلُون طقوسَ الحياة بصَخب..
في انتظارِ أنْ تثيرَ انتباههم أعشاش العناكِب التي نسجت لها دياراً على صُورِك ليبكُوك من جديد!
أفهِمْتَ الآن لِمَ لا أحبُّ أنْ أضعَ لكَ “اسماً”!
.
لا أحدَ يعيدُ إليْك أشياءَك كما قدَّمتها له..
لا أحد سيعيدُ قلبَك إلى جوفِك كما أهديتَه إيَّاه أوَّل مرة!
حتَّى الصَّدى لا يرجِع لك صوتك،
هُو فقَط يكتفي بإعادةٍ ترتيب نبراتِ صوتِك لتُصبِح أشبهَ بضحكة ازدراءٍ مشوهة توائِمُ مغفلاً يقترفُ انتظار أشياء لا تعُود!.
.
.
في بعضِ الأحيانِ يا أمِّي، لا أخبرك بكلِّ شيء..
ليس لأنِّي أريدُ أنْ أسكِن أشيائي الظَّلام بعيداً عنْك،
بل ليقيني من أنَّ قلب الأمِّ لا يحتاجُ إلى إفصاح ليعرف!
هُو يعرف دونَ حاجةٍ إلى أنْ يخبره أحد!
.
.
أحبُّك حقاً..
لكنِّي لا أخبرك – ولا حتَّى نفسي – بذلِك..
لا لإيماني بأنَّ بعض الأشياء يكمن جمالها في أنْ تظلَّ طيَّ الكتمان!
بَلْ لأنِّي أخشى أنْ تقتفي خطاهُم إنْ أنا فعَلت.. فوحدَه المتخمُ بلوعاتِ الفقد من يُسكِنُ حبَّه بين الحنايا بصمتٍ مطبق!!
فكلُّ أولئك الذين أحببتُهم.. كلّ أولئك الذين أسررتُ إليهم بحبِّي..
رحلُوا للأبد!
.
وحدَها الأشياءُ التِّي نجهلها من تعرفنا جيِّداً!

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: