ظاهرة الدولة القومية وتطورها

يعود ظهور الدولة القومية بملامحها الأولى تاريخياً إلى القرن الرابع عشر الميلادي حيث تمكن ملوك فرنسا وأسبانيا من إخضاع الكنيسة والأسياد الإقطاعيين إلى سيطرتهم, وقد أدى الملوك دوراً أساسياً في بروز الدولة القومية, أي أنهم كانوا الطرف الأهم في معادلتها. ومع ظهور الدولة القومية منح الأفراد صفة المواطنة لدولة محددة بالإضافة إلى كونهم رعايا لملوكهم, وترسخ وجود الدولة القومية وسيادتها في أوروبا بعد معاهدة ويستفاليا 1648م التي اعترفت بحدود الدول القومية وأقرت الاحترام المتبادل لسيادة هذه الدول على أراضيها ومواطنيها.

وهكذا بدأ هذا الشكل السياسي المجدد الذي نطلق عليه الدولة الحديثة أو الدولة القومية في الظهور والتبلور خلال القرون الأربعة الماضية على الساحة الأوروبية, والتي اعتمدت في تنظيمها على نظام ملكي مطلق, وجيش وطني عام, ونظام ضريبي موحد.

ولقد أسست لقيام الدولة بشكلها الموجود اليوم تجارب تاريخية طويلة أفرزت جملة من الآراء والنظريات والأفكار التي ساهمت في تحديد ملامح الصورة الحالية. فمن خلال ما عرف بنظرية العقد الاجتماعي التي نسفت الحق الطبيعي أٌرسيت فلسفات الحكم بواسطة آراء مفكرين مثل توماس هوبز وجان لوك وجان جاك روسو, في حين أثر فلاسفة مثل إيمانويل كانط وفيخته وهيجل في تعميق فكرة سيادة العقل في مواجهة الوحي، وهي الأفكار التي أسست لعصر النهضة وتحولات أوروبا التي برزت فيها مفاهيم السيادة والحرية والديمقراطية وحرية الفرد. وارتبطت الدولة كظاهرة تاريخية غربية بظهور وتطور وسيادة الرأسمالية بعد انحسار الإقطاع واضمحلاله، وبحكم مركزية تأثيرها أشاعت أوروبا التجربة في العصور الحديثة وأخذ شكل الدولة الحديثة ينتشر خارج أوروبا حتى أصبح النمط السائد في النظام السياسي الدولي.

وبشكل عام فإن المتتبع للتطور التاريخي للدولة يستطيع التمييز بين ثلاثة تصورات رئيسية بشأنها:

– التصور الأول يعدها نظاماً قانونياً تترابط بداخله أجزاء المجتمع المختلفة ترابطاً سياسياً.

– التصور الثاني ينظر إلى الدولة كأداة سياسية تستخدمها طبقة أو جماعة مسيطرة للتحكم في المجتمع بأكمله, وذلك بوصفها تمثل القوة العليا أو السلطة المطلقة للملك أو الحكومة.

– التصور الثالث يعتبرها هيئة أو تنظيم يستعين به المجتمع القائم على المساواة في تحقيق وإنجاز أهدافه.

والدولة اليوم هي الذروة التي تتوج البنيان الاجتماعي, وتكمن طبيعتها التي تنفرد بها في سيادتها على جميع أشكال التجمعات الأخرى من حيث وسائلها في فرض المبادئ المجتمعية وتنظيم السلوك البشري فهي تصدر القوانين وتعاقب من يخرج عنها كما أنها تملك فرض النظام لضمان طاعتها من قبل الأفراد والجماعات المندرجة تحت ظلها.

وبالتالي تشكل الدولة الإطار المألوف لممارسة السلطة سواء داخل الدولة نفسها أو فيما بينها وبين الدول الأخرى على مستوى الجماعة الدولية ككل.

وتعد الدولة ظاهرة متعددة الجوانب, وهذا ما جعلها موضع اهتمام ودراسة من قبل علماء من تخصصات مختلفة ومتعددة ومتميزة وإن تكن متصلة بعضها ببعض, فهي ظاهرة تبحث فيها معظم فروع العلوم الإنسانية كالسياسة والتاريخ والقانون والاقتصاد والاجتماع وغيرها, وكل فرع من هذه العلوم ينظر للدولة من زاويته الخاصة والتي تختلف عن زوايا الفروع الأخرى.

ففي حين نجد أن علم السياسة يدرس الدولة من حيث القواعد النظرية والعملية التي يقوم عليها نظام الحكم ويقارن بين جدوى أنظمة الحكم المختلفة ليثبت أيها الأكثر ثباتاً واستقراراً, نجد علم التاريخ يحكي تطور الدولة كفكرة ونظام ويتناول حال ومصير الدول وأشكالها في مختلف الأوقات والعصور.

ويعنى علم القانون بدراسة القواعد الملزمة التي تدور في إطارها أعمال الدولة ونشاطاتها ووسائلها لتحقيق أهدافها وإلزام رعاياها بطاعتها والنزول عند أوامرها وفي الوقت نفسه نجده يعنى بدراستها كأحد شخصيات علم القانون الدولي.

أما علم الاقتصاد فهو يهتم بدور الدولة في الشؤون الاقتصادية لإشباع الحاجات المختلفة للشعب وحدود هذا الدور في ضيقه أو اتساعه وكونه مباشراً أو غير مباشر واقتصاره على مجرد التنظيم أو امتداده إلى الفعل المباشر, كذلك فإن الدولة كحقيقة اجتماعية راسخة هي من المواضيع الهامة في دراسات علم الاجتماع والأخلاق وعلم النفس الاجتماعي ومختلف فروع العلوم الإنسانية.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: